في هذه الآية الكريمة آخر أدعية أولى الألباب أي أصحاب العقول الراجحة الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض، ومعنى هذه الآية هو ربنا أعطنا ما وعدتنا على رسلك، إنك تعالى كلمتك كلمة الحق بتأييدنا على من كفر بك وعبد غيرك، وعجل لنا ذلك التأييد والنصر، فأنا قد علمنا إنك سبحانك لا تخلف ميعادك ولا تفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا ولكن كفرها عنا واغفرها لنا.
ثم قال الله تعالى بعد ذلك (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
ومعنى هذه الآية الكريمة هو: فأجاب الله هؤلاء الداعين ذوي الألباب بأني لا أضيع عمل خير عمله أحدكم ذكرا كان العامل أو أنثى، وقوله (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) يعني بعضكم أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم من بعض في النصرة والمسألة والدين، وحكم جميعكم فيما أنا بكم فاعل على حكم أحدكم في أنى لا أضيع عمل ذكر منكم ولا أنثى.
فالذين هاجروا وتركوا قومهم وعشيرتهم من أهل الكفر إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله والتصديق برسوله وأخرجوا من ديارهم، وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة (وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) يعني وأوذوا في طاعتهم لربهم وعبادتهم إياه مخلصين له الدين وذلك هو سبيل الله التي آذى فيها المشركون أهل مكة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم (وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) يعني وقتلوا في سبيل الله وقاتلوا في سبيل الله، (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) يعني لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي ولأغفرنها لهم، (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا) يعني جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله، (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعني من قبل الله لهم، (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) يعني أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوف الجزاء، وذلك ما لا يبلغه وصف واصف لأنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ثم قال الله تعالى بعد ذلك (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ )ومعنى هذه الآية أنه سبحانه نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بالكفار وتجارتهم في البلاد وغناهم وامهال الله إياهم مع شركهم وجحودهم نعمة وعبادتهم غيره، والمعني بهذه الآية اتباع النبي وأمته من بعده لأنهم ما غروا نبي الله حتى قبضه الله على ذلك، وقوله (مَتَاعٌ قَلِيلٌ) يعني إن تصرفهم وتجارتهم وغناهم في البلاد متعة قليلة حتى يبلغوا آجالهم، قولة (ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) يعني ثم مصيرهم ومنتهاهم جهنم وهي من أسماء النار وقوله (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) يعني وبئس الفراش .

