يقول الله تعالى في خواتيم سورة آل عمران (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ).

ومعنى هذه الآية الكريمة: لكن الذين اتقوا الله بطاعته واتباع مرضاته في العمل بما أمرهم الله به، واجتناب ما نهاهم عنه (لَهُمْ جَنَّاتٌ) يعني بساتين (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) هذه البساتين تجري من بينها الأنهار، (خالدين فيها) باقين فيها أبدا، (نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) النزل هو ما بعد للنزيل والضيف من الكرامة والراحة وكل ما يرغب ومن مثله قوله تعالى في سورة فصلت (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم) وهذا النزل ثواب من عند الله سبحانه ومن كرامته إياهم وعطاياه لهم، وقوله سبحانه (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) يعني وما عند الله من الحياة والكرامة حسن المآب خير للأبرار مما يتقلب فيه الذين كفروا، فإن الذي يتقلبون فيه زائل وهو قليل من المتاع خسيس وما عند الله خير من كرامته للأبرار وهم الذين أحسنوا العمل وهم أهل طاعته.

ثم قال الله بعد ذلك (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).

اختلف اهل التفسير في المراد بهذه الآية فذهب بعضهم إلى أن المراد بهذه الآية النجاشي لما صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم عند ما سمع وفاته فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على نصراني لم يره قط، فأنزل الله هذه الآية، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهذه الآية عبد الله بن سلام ومن معه من اليهود، وقال آخرون أنها نزلت في سلمة أهل الكتاب يعني الذين أسلموا من أهل الكتاب، واختار الطبري في تفسيره أن المقصود في هذه الآية أهل الكتاب لعموم قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ )فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود، ولا اليهود دون النصارى وتفسير هذه الآية بناء على هذا وإن من أهل الكتاب التوراة والإنجيل لمن يؤمن بالله فيقر بوحدانية وما أنزل إليكم أيها المؤمنون من كتابه ووحيه على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل على أهل الكتاب من الكتب (خَاشِعِينَ لِلَّهِ) يعني خاضعين لله بالطاعة متذللين له (لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) يعني لا يحرفون ما أنزل إليهم في كتبه من وصف محمد صلى الله عليه وسلم فيبدلونه حتى يأخذوا عرضا من الدنيا يعطونه على ذلك التبديل ولكن ينقادون للحق، وقوله (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) يعني أن هؤلاء الذين سبق وصفهم من أهل الكتاب لهم ثواب طاعتهم لربهم وهذا الثواب عند ربهم يوم القيامة، وقوله (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يعني أن الله سبحانه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها وبعد ما عملوها فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك فيقع في الإحصاء إبطاء فلذلك قال (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).

ثم قال الله تعالى خاتماً سورة آل عمران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

ومعنى هذه الآية: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، اصبروا على دينكم وطاعة ربكم، والأمر بالصبر على جميع أنواع الطاعات فيما أمر الله ونهى صعبها وشديدها وسهلها وخفيفها، وصابروا من المصابرة للأعداء والمتربصين بكم وهذا أشد الصبر ثباتا في النفس فإذا لم يصابر المؤمن ويثبت أمام عدوه الذي يثبت ويقارنه الصبر تكون الغلبة لعدوه وأمرهم الله بالمرابطة وهي إعداد الخيل للعدو والدفاع عن الثغور ومن ضمن أن يكونوا على حذر واستعداد لعدوهم حتى لا يفاجئهم وقال بعض المفسرين أن المقصود بقوله (وَرَابِطُو) انتظار الصلاة بعد الصلاة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فذلكم الرباط . فذلكم الرباط وقوله (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) يعني احذروا أن تخالفوا أمر الله حتى تفلحوا .

Scroll to Top