في هذه الآية الكريمة نهى من الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا الكفار أعوانا وأنصارا وظهورا ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار انصارا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء يعني فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله الكفر، إلا أن تتقوا منهم تقاة يعني إلا أن يكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل يؤذيه.
قوله (ويحذركم الله نفسه) يعني ويخوفكم الله نفسه أن ترتكبوا معاصيه أو توالوا أعداءه، قوله (وإلى الله المصير) يعني إن الله مرجعكم ومصيركم بعد مماتكم ويوم حشركم لموقف الحساب.
ثم قال الله تعالى بعد ذلك (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله، ويعلم في السموات وما في الأرض، والله على كل شيء قدير).
تعني هذه الآية الكريمة: قل يا محمد للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين إن تخفوا ما في صدوركم من موالاة الكفار فتسروه أو تبدوا ذلكم من أنفسكم بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه كل ذلك يعلمه الله سبحانه فلا يخفى عليه.
وقوله (ويعلم ما في السموات والأرض) يعني إنه – سبحانه – إذا كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفى عليه أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، كيف يخفى عليه سبحانه ما في صدوركم من الميل اليهم بالمودة والمحبة أو ما تبدون لهم بالمعونة فعلا وقولا.
قوله (والله على كل شيء قدير) يعني قدير على معاجلتكم بالعقوبة على موالاتكم إياهم وعلى ما يشاء من الأمور كلها، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء طلبه.
ثم قال تعالى بعد ذلك (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيدا، ويحذركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد) قال كثير من المفسرين أن قول الله تعالى ويحذركم الله نفه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وقال بعضهم أن معنى يوم تجد كل نفس يعني اذكروا يوم والذي هو يوم القيامة، وهذا تحذير وترهيب وفي نفس المعنى ترغيب لعمل الصالحات والخيرات والحسنات لأن الطائع لربه الملتزم بشريعته سيجد الذي قدمه في الدنيا من العمل الصالح الخير موفرا عند يوم القيامة وهذا معنى محضرا أي موفرا، اما من عمل السوء في الدنيا فسوف يكون هذا السوء موفرا كذلك لكن من عمله يتمنى ألا يأتي ذلك اليوم ابدا وهذا معنى (أمدا بعيدا) أحلا بعيد وهو الغاية مع أنه في الدنيا يستلذ خطيئة ويستعجلها، وقوله سبحانه (ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) يعني يحذركم الله من أن يسخط عليكم ويعاقبكم عندما تأتون إليه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء وينالكم من اليم عقابه ما لا قبل لكم به، ثم اخبر عز وجل أنه رؤوف بعباده أي رحيم بهم ومن رأفته بهم تحذيرهم إياهم نفسه وتخويفهم عقوبته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معاصيه.

