يقول الله تعالى في سورة البقرة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ) يعني كفار العرب أو المراد الناس جميعا الذين سبق توجيه الخطاب إليهم في الآية السابقة وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).

(اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) أي بالقبول والعمل، (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا) ألفينا يعني وجدنا أي نتبع مما وجدنا عليه آباءنا، وأخبر ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم عقاب الله ونقمته فقالوا له: بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا أعلم وخيرا منا فأنزل الله هذه الآية.

(أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) يعني آباء هؤلاء الكفار الذين مضوا على كفرهم بالله لا يعقلون شيئا من دون الله وفرائضه وأمره ونهيه، فيتبعون على ما سلكوا من الطريق ويقتدى بهم في أفعالهم ولا يهتدون لرشد فيهتدى بهم غيرهم، فيقول تعالى لهؤلاء الكفار فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمركم به ربكم وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئا ولا هم مصيبون حقا ولا مدركون رشدا.

وأخبر بعض العلماء عن ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فاصل من أصول الدين، ولذلك أثنى الله سبحانه وتعالى على يوسف عليه السلام في القرآن حيث قال (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ)، فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله كان اتباعه آباءه من صفات المدح.

ويقول تعالى بعد ذلك (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) شبه الله تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي ينعق بالغنم والإبل، ومعنى النعيق زجر الغنم والإبل والصياح بها فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفهم ما يقول، ومعنى ذلك مثل الكافر في قلة فهمه عن الله وسوء قبوله لما يدعى إليه من توحيد الله وما يوعظ به مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها ولا تعقل ما يقال لها.

(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) فهم صم عن الحق لا يسمعون، بكم يعني خرس عن قول الحق والصواب والإقرار بما أمرهم الله أن يقروا به، وتبين ما أمرهم الله تعالى أن يبينوه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس فلا ينطقون به، ولا يقولونه ولا يبينونه للناس، وهم عمي عن الهدى وطريق الحق فلا يبصرون ومن كانت فيه هذه الآفات فهو لا يعقل ولا يدرك مثل البهائم.

يقول الله تعالى في سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).

هذه الآية تأكيد لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) قد تم شرحها قبل ذلك، وخص الله المؤمنين بالذكر تفضيلا، والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه وعبر بالأكل لأنه هو المشاهد والمتكرر يوميا، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)” ثم ذكر صلى الله عليه وسلم الرجل وذكره الرجل من باب التغليب والحديث يعم الرجال والنساء يقول: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغدى بالحرام فأنى يستجاب لذلك”.

Scroll to Top