بين الله تعالى في هذه الآية من هم الصابرون “والمصيبة هي كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه وتستعمل في الشر، (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للمتخنين، لما جمعت من المعاني المباركة، فقوله سبحانه (إِنَّا لِلَّهِ) توحيد وإقرار بالعبودية والملك وقوله (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إقرار بالموت على انفسنا والبعث من قبورنا واليقين أن رجوع الأمر كله إليه سبحانه كما هو له (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) هذه نعم من الله عز وجل على الصابرين المسترجعين وصلاة الله على عبده وعفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة والغفران والثناء الحق والمراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة وورد في صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه قال نعم العدلان نعم العلاوة العدلان الصلاة والرحمة العلاوة الاهتداء (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أي إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر وتسهيل المصائب وتخفيف الحزن.
يقول تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ).
سبب نزول هذه الآية ما وراه البخاري في صحيحه عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس ابن مالك عن الصفا والمروة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
والصفا في اللغة الحجر الأملس وهو في هذه الآية جبل بمكة معروف وكذلك المروة جبل أيضا وأصل المروة في اللغة وهي الحجارة الصغيرة التي فيها لبن وجمعها مرو وقيل إنها الحجارة السوداء.
قوله تعالى (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أي من معالمه ومواضع عبادته وهي جمع شعيرة والشعائر المتعبدات التي اشعرها الله تعالى أي جعلها أعلاما للناس من الموقف في عرفا ومزدلفة والمنحر في منى والسعي مأخوذ من الشعائر العلامة.
(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ) أي قصد واصل الحج القصد (أَوِ اعْتَمَرَ) أي زار والعمرة الزيارة، (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) أي لا إثم عليه (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وجاءت هذه الآية لإفادة إباحة الطواف لمن كان يتحرج منه في الجاهلية أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصدا للأصنام التي كانت فيه، ما علمهم الله سبحانه أن الطواف ليس محظور إذا لم يقصد الطائف قصدا باطلا، والسعي بين الصفا والمروة ركن في الحج والعمرة عند جمهور الفقهاء وهو واجب عند الحنفية.
(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) والتطوع هو ما يأتيه المؤمن من قبل نفسه فمن أتى بشيء من النوافل فإن الله يشكره، وشكر الله للعبد إثابته على الطاعة.
يقول الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).
أخبر الله في هذه الآية الكريمة ان الذي يكتم ما أنزل الله من البينات والهدى ملعون، واختلف المفسرون في من المراد بذلك، فقيل: حبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد كل من كتم الحق، فهذه الآية عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر فيما اخرجه ابن ماجة من رواية أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم “من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار” [1]وهذه الآية هي المرادة لأبي هريرة رضي الله عنه في قوله: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم حديثا.
وتحقيق هذه الآية الكريمة هو: أن العالم إذا قصر كتمان العلم يكون عاصيا، وإذا لم يقصد الكتمان لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره، وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية والحديث.
(مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) يعم المنصوص عليه في كتب اليهود والنصارى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتركهم اتباعه وهم يجدونه عندهم في التوراة والانجيل من البينات التي أنزلها الله ما بين من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعث وصفته ويعني جل ذكره بالهدى ما يستنبط من بيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه لهداية الناس جميعا ووجوب اتباعه.
(مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ) أي يكتمونه ولا يبثونه للناس حسب مراد الله من بيانه والمقصود بالكتاب جميع الكتب المنزلة وخاصة التوراة والإنجيل.
(أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) أي يتبرأ منهم ويبعدهم من ثوابه ويقول لهم: عليكم لعنتي، كما قال سبحان للعين إبليس، (وإن عليك لعنتي) وأصل اللعن في اللغة الإبعاد والطرد.
(وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) المراد بـ (اللَّاعِنُونَ) الملائكة والمؤمنون، وهذا واضح جار على مقتضى الكلام، لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي جل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، فقال سبحانه (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فكذلك اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حال بالفريق الآخر الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس هل لعنة الله الحالة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار وهم اللاعنون، لأن الفريقين جميعا أهل كفر.
سبق شرح قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) ثم قال تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا) استثنى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم لهم ، ولا يكفي في التوبة عند العلماء قول القائل “قد تبت” حتى يظهر عليه ما قبل توبته فإن كان مرتدا رجع إلى الإسلام مظهرا شرائعه وإن كان من أهل العمل الصالح وترك اهل الفساد والأحوال التي كان عليها.
(وَبَيَّنُوا) يعني ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، والعموم أولى على ما بيناه أي بينوا خلاف ما كانوا عليه.
[1] – أخرجه أبو داود (3658).


