قول الله تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ )

 هذه الآية أول ذكر لبني إسرائيل في القرآن وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

ومعنى (إِسْرَائِيلَ) بالعبرانية عبد الله فإسر بالعبرانية عبد وإيل هو الله وهذا قول ابن عباس.

(اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) الذكر بالقلب ضد النسيان، والذكر باللسان ضد الإنصات وذكرت الشيء بلساني وقلبي، والمعنى في الآية اذكروا شكر نعمتي، فحذف الشكر واكتفاء بذكر النعمة، وقيل: إنه أراد الذكر بالقلب وهو المطلوب، أي لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها، ومن نعمة – سبحانه – على بني إسرائيل أن أنجاهم من آل فرعون، وجعل فيهم أنبياء وأنزل عليهم المن والسلوى وفجر لهم من الحجر الماء والنعم على الآباء نعم على الأبناء لأنهم يشرفون بشرف آبائهم.

قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) عهد الله الذي طالبهم بوفائه هو تنفيذ جميع أوامره ونواهيه ووصاياه، ويدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره وعهده سبحانه لهم هو أن يدخلهم الجنة، وما هو مطلوب من بني إسرائيل هو مطلوب منا، قال الله تعالى (وأوفوا بالعقود) وقال تعالى (أوفوا بعهد الله) وآيات أخرى كثيرة ووفاؤهم بعهد الله لوفاء الله تعالى لهم لا علة له بل ذلك تفضل منه عليهم.

قوله تعالى (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) الرُّهب والرَّهب والرَّهبة الخوف ويتضمن الأمر به معنى التهديد أي خافون ولا تخافون غيري.

قوله تعالى (وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ )

(وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ) أي صدقوا يعني بالقرآن الذي يصدق بالتوراة التي معكم (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) أي بالقرآن، وأول وقد كان قد فكر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في مثل هذا لأنهم حجة مظنون بهم العلم.

(وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) نهاهم الله سبحانه أن يأخذوا على آيات الله ثمنا، وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى الآية، (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ).

قوله تعالى (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، معنى التلبس الخلط مزج الحق بالباطل والبين بالشكل ويقال في الأمر لبسة أي ليس بواضح، والباطل في كلام العرب الزائل قال لبيد: الا كل شيء ما خلا الله باطل، واختلف أهل التفسير في المراد بقوله (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) فقال بعضهم: لا تخلطوا ما عندكم من الحق بالباطل وهو التغيير والتبديل، لأن بني إسرائيل يقولون: محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وحجهم انه بعث إليهم باطل وقال بعضهم: لا تخلطوا اليهودية بالنصرانية بالإسلام.

(وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) والمراد كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفون، وقال ابن عباس وغيره أن جماعة من ولد هارون نزلوا يثرب وهم حمل التوراة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمض أولئك الآباء وهم مؤمنون وخلف الأبناء وأبناء الأبناء ما دركوا محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفونه وهو معنى قوله سبحانه (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) وهم يعلمون أن محمدا عليه السلام حق، فكفرهم به كان كفر عناد ولم يشهد تعالى لهم بعلم، وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا، ودل هذا على تغليظ الذنب على من عصى وهو على علم وأنه أعصى من ألجاهل.

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) اقيموا أمر معناه الوجوب، وآتوا الزكاة أمر تقتضي الوجوب، والايتاء: الاعطاء، آتيته: اعطيته قال الله تعالى (لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي أعطانا، وأتيه – بالقصر من غير مد – جئته، والزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد يقال زكا الزرع والمال يزكو إذا كثر وزاد، ورجل زكى أي زائد الخير، وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي، وقيل أصل الزكاة الثناء الجميل ومنه وزكى القاضي الشاهد، فكان من يخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل، وقيل: الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال: زكاة فلان أي طهر من دنس الجرحة والاغفال، فكان الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين وقد قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) وكل هذه المعاني موجودة في الزكاة التي جعلها الله ركنا من أركان الإسلام.

(وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) الركوع في اللغة الانحناء وهو يعم الركوع والسجود والساجد أبلغ في الانحناء من الراكع، والركوع يستعمل أيضا في الانحطاط في المنزلة قال الشاعر:

ولا تعاد الضعيف علك أن

  تركع يوما والدهر قد رفعه

(مَعَ الرَّاكِعِينَ) مع تقتضي المعية والجماعة، وبنو إسرائيل مأمورون بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة وبالخضوع لله سبحانه ومن شريعتهم وفيه تنبيه وتذكير وتحذير للمسلمين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وشهود الجماعة، وفيه بيان الصلاة المحملة في القرآن بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم وتبليغه إياها جميع الأنام بدليل قوله تعالى (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ).

قوله تعالى (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) هذا استفهام معناه التوبيخ والمراد بهم علماء اليهود فعن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كان الاحبار (علماء اليهود) يأمرون أتباعهم باتباع التوراة، وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا يحضون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي، وكانوا يحضون على الصدقة ويبخلون.

والتوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوما كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) وقال أبو الأسود الدؤلي:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

  عار عليك إذا فعلت عظيم

وابدأ بنفسك فانهها عن غيها

  فإن انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى

  بالقول منك وينفع التعليم

قوله تعالى (بِالْبِرِّ) البر هنا الطاعة والعمل الصالح والصدقة، قوله تعالى (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أي تزكون أنفسكم، والنسيان بكسر النون بمعنى الترك وهو المراد هنا ومنه قوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) وقوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) وقوله تعالى (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) و(أنفسكم) جمع نفس، والنفس الروح ومنه قوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ا) يريد الأرواح، وتطلق النفس كذلك على الجسد وعلى الم ومنه قول الشاعر:

تسيل على حد السيوف نفوسنا

  وليست على غير الظبات تسيل

قوله تعالى (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) توبيخ عظيم لمن فهم، وتتلون يعني تقرؤون والكتاب: التوراة وكذا من فعل فعلهم كان مثلهم، وأصل التلاوة الاتباع ولذلك استعمل في القراءة لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه، يقال: تلوته إذا تبعته.

قوله تعالى (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي أفلا تمنعون أنفسكم

 من مواقعة هذه الحال المردية لكم والعقل معناه المنع ومنه عقال البعير لأنه يمنع عن الحركة، والعقل نقيض الجهل، والعقل هو قوة التمييز بين الحق والباطل، والمضر والصحيح والباطل.

Scroll to Top