قوله تعالى (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ).

 علم معناه عرف، وتعليمه هنا إلهام من الله تعالى وليس اكتسابا، ولو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الاخبار عنها.

وآدم عليه السلام يكنى أبا البشر، وكلمة آدم مشتقة من آديم الأرض، وسمى آدم لأن خلق من أديم الأرض وهو وجه الأرض “التراب” وقيل إن آدم خلق من تراب أحمر وأبيض وأسود من الأرض جميعا فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، ثم صب على هذه الخلطة من التراب الأحمر والأبيض والأسود الماء حتى صار طينا لازبا واللازب: هو الذي يلتصق بعضه ببعض، ثم ترك هذا الطين حتى ظهرت له رائحة نتنة وهو ما عبر المولى جل وعلا بقوله (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) يعني طين نتنه ثم يبس هذا الطين حتى أصبح كما قال تعالى (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) يعني منتفخ متيبس إذا ضرب يكون له صلصلة مثل الفخار الأواني الفخارية ثم نفخت فيه الروح، وروى الترمذي عن ابي موسى الاشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود على تدرج الألوان، وجاء منهم السهل والحزن والخبيث والطيب[1]، وهذا حديث حسن صحيح.

(الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا…) الراجح عند المفسرين أن الله سبحانه وتعالى علم آدم أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها وعرفه منفعة كل شيء هذا كذا وهو يصلح لكذا.

قوله تعالى (قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ).

قال الله تعالى لآدم (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) أمره أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلم الملائكة أن آدم أفضل من الملائكة وأعلى شأنا لأنه سبحانه قدمه عليهم واسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه فحصلت له رتبة الجلال والعظمة.

فلما أنبأهم بأسمائهم قال الله تعالى: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وهذا دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أما المنجمون والكهان وغيرهم فهم كذبة (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو).

(وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) يعني أن الله سبحانه وتعالى يعلم أسرارهم وظواهرهم أجمع.

قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يعني أذكر إذ قلنا ولم يقل قلت لأن الله الجبار العظيم يخبر عن نفسه سبحانه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره (اسْجُدُوا) السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع وغاية السجود وضع الوجه بالأرض ويجوز في كلام العرب بأن يطلق لفظ ساجد إذا طأطأ رأسه أو تطامن.

وقيل في الحكمة في أمر الملائكة بالسجود لآدم، أن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم الله بالسجود لغيره ليريهم استغناءه عنهم وعن عبادتهم، وقال بعض المفسرين: أن الملائكة غيروا آدم واستصغروه فأمروا بالسجود له تكريما واتفق المفسرون أن السجود لآدم لم يكن سجود عبادة وإنما سجود تكريم وأول أكثر المفسرين أن معنى لآدم أي اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم مثل قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي عند دلوك الشمس، ومثل السجود لله في مواجهة الكعبة، ومعنى لآدم إلى جهة آدم ولذلك كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهار لفضله وطاعة لله تعالى.

(إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، ابليس مأخوذ من الإبلاس والابلاس معناه اليأس من رحمة الله تعالى، واختلف المفسرون هل ابليس من الملائكة وإذا كان من الملائكة فلماذا عصى الله سبحانه وتعالى الذين قال الله في وصفهم (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، أم أنه كان من الجن بدليل قول الله تعالى (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) والجن غير الملائكة والراجح من اقوال المفسرين انه من الملائكة وأنه كان من حى من احياء الملائكة يقال لهم الجن أو الجنة خلقوا من نار السموم وخلقت بقية الملائكة من نور وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما، ومعنى (أَبَى) امتنع عن السجود (وَاسْتَكْبَرَ) الاستكبار الاستعظام فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته وكان من الكافرين أي صار بكبره وعصيانه من الكافرين.


[1] – أخرجه  أبي داود ( 4693).

Scroll to Top