(وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ) لا خلاف أن الله تعالى أخرج ابليس عند كفره وأبعده عن الجنة وبعد أخراجه قال لآدم اسكن أي لازم الإقامة واتخذها مسكنا، والسكن: كل ما سكن إليه وسميت السكين بهذا الاسم لأنها تسكن حركة المذبوح ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته، ومنه سكان السفينة لأنه يسكنها عن الاضطراب.
(أَنْتَ وَزَوْجُكَ) أنت تأكيد للمضمر الذي في الفعل ومثله قوله تعالى (فاذهب أنت وربك)، وزوجك يعني زوجتك وهي لغة القرآن، وزوج آدم عليه السلام هي حواء وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك، فلما انتبه قيل له: من هذه؟ قال: امرأة قيل: وما اسمها؟ قال: حواء، قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرء أخذت، قيل: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي.
قوله تعالى (الْجَنَّةَ) الجنة البستان الملتف الأغصان الذي يختفي فيه الإنسان وغيره وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهي جنة الخلد.
قوله تعالى (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا) الرغد هو العيش الهني الذب لا عناء فيه، قوله تعالى (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) أي لا تقرباها بأكل، وهذا اشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وان سكنا آدم في الجنة لا يدوم، لأن المخلد لا يخطر عليه شيء ولا يؤمر ولا نهى، والدليل على هذا قوله تعالى (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..) فدل على خروجه من الجنة، واختلف المفسرون في تعيين هذه الشجرة التي نهى عنها فأكل منها، فمنهم من قال هي العنب، ومنهم من قال شجرة التين، ولكن ابن عطية قال في تفسيره: وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها.
قوله تعالى (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي لنفسيكما وأصل الظالم وضع الشيء في غير موضعه، واختلف المفسرون في سبب عصيان آدم بأكله من الشجرة والراجح عند علماء التفسير أنه أكلها ناسيا ورجحه إمام المفسرين القرطبي لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزماً بقوله تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما).
قوله تعالى (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ).
(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا) من الزلة وهي الخطيئة أي أن الشيطان أوقعهما في الخطيئة ودل على هذا قوله تعالى (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) وقوله تعالى (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) والوسوسة إنما يه إدخالهما في الزلل والمعصية.
(فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) وإنما كان اخراجهما من الجنة إلى الأرض، لأنهما خلقا منها، وليكون آدم خليفة في الأرض، ولم يقصد ابليس – لعنه الله – إخراجه منها إنما قصد اسقاط آدم من مرتبته وابعاده كما أُبعد هو، ولكنه – لعنه الله – لم يبلغ مقصده ولا أدرك راده، بل ازداد سخفه عين وغيظ نفسي وخيبة ظن لأن الله جل ثناؤه قال في حق آدم عليه السلام (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره، ونسب ذلك إلى إبليس لأنه كان بسببه وإغوائه.
(وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) الهبوط: النزول من فوق إلى اسفل، والذين اهبطوا هم آدم وحواء وابليس (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) يعني هذه حالكم، والعدو خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم، والعدوان: الظلم الصريح، فاصبح حال آدم وبنوه أعداء لإبليس وأعوانه، ولم يكن اخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له، لأن الله اهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه واسكنه الأرض لما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله في الأرض ليكلفهم ويمتهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الاخروي، إذ الجنة والنار ليست تدار تكليف ، فكانت تلك الأكلة من الشجرة سبب أهباطه من الجنة، ولله أن يفعل ما يشاء، وقد قال سبحانه (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة.
(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) أي موضع استقرار في الحياة وبعد الممات ومنه قوله تعالى (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) في حال حياتكم وفي حال مماتكم، والمتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك (إِلَى حِينٍ) يعني إلى أجل وهو قيام الساعة، والحين هو المدة وقد تكون مدة طويلة فأنتم مستقرون في الأرض حال حياتكم إلى حين موتكم، وأنتم في قرار الأرض في القبور حال موتكم إلى حين قيام الساعة، والله أعلم.
قوله تعالى (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (فَتَلَقَّى آَدَمُ) تلقى قيل معناه فهم وفطن، وقيل: قبل وأخذ، وقبوله لهذه الكلمات تعلمه لها وعمله بها.
واختلف أهل التفسير في الكلمات وهي جمع كلمة فقال بعضهم هي قوله (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وقال بعضهم إن هذه الكلمات هي: سبحانك اللهم لا إله إلا انت، ربي ظلمت نفسي فأغفر لي إنك انت الغفور الرحيم، ومعنى هذا أن هذه الكلمات تدل على التوبة والانابة إلى الله سبحانه وتعالى.
(فَتَابَ عَلَيْهِ) أي قبل توبته أو وفقه للتوبة، وتاب العبد: رجع إلى طاعة ربه، وعبد تواب كثير الرجوع إلى الطاعة، وأصل التوبة الرجوع يقال: تاب وثاب وآب وأناب أي رجع.
(إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بأنه التواب، وقد يطلق على العبد أيضا تواب، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) والتواب في حق العبد كثرة رجوعة إلى ربه، حال المعصية إلى جال الطاعة والتواب في حق الله سبحانه هو قبول توبة العبد وأن يرجع في قلوب العباد المسيئين التوبة وأن يتبين هذه التوبة على أعماله وتصرفاته في خلقه أجمعين.
قوله تعالى (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) كرر الله سبحانه الأمر على جهة التغليظ وتأكيده لما تقول الرجل قم قم وكرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر، فعلق بالأول العداوة وبالأمر الثاني إتيان الهدى.
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) اختلف في معنى قوله: (هدى) فقيل: كتاب الله، وقيل التوفيق للهداية، وقيل الرسل، ومرجع هذه الأقوال واحد لا تضاد فيها.
(فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) الخوف هو الذعر لا يكون إلا في المستقبل والحزن: الحزن ضد السرور ولا يكون إلا على وماض، والمعنى في الآية فلا خوف عليهم في مستقبل حياتهم، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي أشركوا (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الصحبة الاقتران بالشيء في وقت وفي حالة، فإن كانت دائمة فهي كمال الصحبة وهكذا هي صحبة أهل النار لها ولذلك قال تعالى (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) مصاحبون لها لا ينفكون عنها ابداً.


