قوله تعالى (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

 ذكر تعالى أن السموات سبع ولم يأت للأرض في القرآن عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، وقد اختلف في هذا، فقيل: ومن الأرض مثلهن أي في العدد وهو الراجح وقد روى مسلم في صحيحة عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع ارضين” [1]بالإضافة إلى أحاديث أخرى، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي بما خلق وهو خالق كل شيء فوجب أن يكون عالما بكل شيء.

قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس، (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) جاعل هنا بمعنى خالق في الأرض هل هي مطلق الأرض أو هي أرض مخصوصة، هي مطلق الأرض وخليفة أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض أو من كان قبله من غير الملائكة وهو آدم عليه السلام وهو خليفة الله في امضاء احكامه وأوامره لأنه أول رسول إلى الأرض كما في حديث أبي ذر رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أبينا كان مرسلا يعني آدم؟ قال: “نعم” وقد يقال لمن كان رسولا ولم يكن في الأرض أحد؟ فيقال: كان رسولا إلى ولده وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطناً في كل بطن ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا كما قال الله تعالى (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).

وهذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع ليجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليقة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الائمة والدليل على ذلك هذه الآية وآيات أخرى منها قوله تعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) وقوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي يجعل منهم خلفاء، وأجمعت الصحابة رضوان الله عليهم على تقديم ابي بكر الصديق رضي الله عنه بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والانصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا واطاعوا لقريش فلو كان فرض الامامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ، ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الامامة ولم يقل له أحد: هذا أمر غير واجب علينا وعليك، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين.

قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمد ونقدس لك، قال إني اعلم ما لا تعلمون.

سبق القول أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعلمها الله سبحانه ولا تسبق بالقول وذلك عام في جميع الملائكة فكيف يقولون (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) قيل أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد، إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد لكن عمموا الحكم على الجميع بالفساد، فبين الرب تعالى أن في بني آدم من يفسد ومن لا يفسد، فقال تطييبا لقلوبهم (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من افساد الجن وسفكهم الدماء، وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء فجاء قولهم (أتجعل فيها) على جهة الاستفهام هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا.

ويسفك الدماء: السفك هو الصب: سفكت الدم: صبته وكذلك الدمع، ولكن الغالب أن كلمة السفك تستعمل في الدم، (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أي ننزهك عما لا يليق بصفاتك والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم، وروى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال: “هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء” [2]ومنه قول الناس “هذا رجل نزيه” والتسبيح مشتق من السبح وهو الجري والذهاب، قال الله تعالى (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) زمن طويل تذ1هب وتعود فيه، فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء على الدوام.

(نحمدك) أي بحمدك نخلط التسبيح بالحمد ونصله به، والحمد هو الثناء على الله سبحانه (وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نعظمك ونمجدك ونظهر ذكرك عما لا يليق بك مما سبل إليه الملحدون وقيل أن معنى نقدس نصلي والتقديس الصلاة لأنها تشتمل على التعظيم والتسبيح وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده “سبوح قدوس رب الملائكة والروح”[3] ومن معنى قدوس التطهير ومنه قوله تعالى (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) أي المطهرة وقال تعالى (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) يعني الطاهر ومثله قوله تعالى (بالواد المقدس طوى) وبيت المقدس سمى به لأنه المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب أي يتطهر، ومنه قيل: قدس وقادوس لأنه يتوضأ فيه ويتطهر.

(قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أي إني أعلم أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة، يحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون بما كان وبما يكون وبما هو كائن فهو عام في علمه سبحانه، والله أعلم.


[1] – أخرجه مسلم (1610).

[2] – أخرجه الطبراني (1767).

[3] – أخرجه مسلم (487).

Scroll to Top