هذا استفهام معناه التعجب من هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم، وهو كذلك تقرير وتوبيخ أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته فالله سبحانه وبخهم بهذا غاية التوبيخ واختلف أهل التفسير في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين والراجح عندهم ما قاله ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم أي خلقكم ثم يميتكم عند انقضاء أجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة، وهاتان الموتتان والحياتان يسمل فيهما الكل ويدعن كل عامل فتقام الحجة على الكفار، قوله تعالى (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي تردون إلى عذابه مرجعكم لكفركم.
قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
خلق معناه اخترع وأوجد بعد العدم، وقد يقال في الإنسان خلق عند انشائه شيئا ومنه قول الشاعر:
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة
لكم أي من أجلكم وقيل: المعنى أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم ويتبين من قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أن الأصل في الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها كقوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) حتى يأتي دليل على الحظر، وفي هذا اعتبار للإنسان أي أن الذي قدر على أحيائكم وخلقكم وخلق السموات والأرض لا تبعد منه القدرة على الإعادة وعلى البعث بعد الموت، ولتبقوا على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته، فقد وهب لكم كل ما خلق وسخره لكم لتستدلوا به على سعة وجوده وتسكنوا إلى ما ضهر لكم من جزيل عطاياه في المعاد، ولا تستكثروا كثير بره – سبحانه – على قليل عملكم وإذا كان لعبد حسن الظن بالله لم يخف الاقلال والفقر لأنه يخلف عليه كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) وقال سبحانه (فإن ربى غني كريم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ما كان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا” [1]وكذا في المساء عند الغروب.
(ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم) الاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء، قال الله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) وقال تعالى (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) واستوت الشمس على رأسي، وأستوت الطير على قمة رأسي بمعنى علا وارتفع.
وهذه الآية من المشكلات والمفسرون فيها وفيما شابهها على ثلاثة أوجه: قال بعضهم نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، وهذا كما روى عن الامام مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء.
وقال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة، وقال بعضهم: نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها، وهؤلاء أولوا قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) بمعنى قصد خلق السماء، لأن الاستواء في كلام العرب على ثلاثة أقسام، الأول ذهاب الشباب والقوة يقال استوى الرجل ذهب شبابه وقوته، الثاني: الاستواء مبعد اعوجاج، الثالث: القصد إلى فعل الشيء والاقبال عليه، وهذا يناسب هذه الآية الكريمة، والله أعلم.
[1] – أخرجه البخاري (1442)، ومسلم (1010).


