قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ).

سبب نزول هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الذباب في قوله تعالى (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) يعني آلهة المشركين، وذكر العنكبوت في قوله تعالى (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) وضرب للمشركين بها المثل، ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية، ومعنى يستحي في حق الله تعالى لا يخشى يقول تعالى (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) بمعنى تستحي أو معناه لا يترك ولا يمتنع جل وعلا أن يضرب مثلا بأصغر من الذباب والعنكبوت وهي البعوضة (البقة) فما فوقها أي ما دونها في الصغر وهذا مثل قولك: أتراه قصيرا، فيقول القائل أو فوق ذلك أي هو أقصر مما ترى، فأما الذين آمنوا فيوقنون أن هذا المثل حق من ربهم والحق خلال الباطل، وأما الذين كفروا فيقولون أي شيء أراد الله أوما الذي أراده الله بهذا مثلا ومعنى كلامهم الانكار ويقولون (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا) أي ان الله يفرق بهذا المثل الناس إلى ضلالة وإلى هدى، وقيل إن الله سبحانه بهذا المثل يوفق المهتدين ويخذل الضالين جزاء كفرهم (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) هذا من قول الله تعالى يعني وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم، والفسق هو الخروج من طاعة الله عز وجل فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان.

قوله تعالى (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

الذين وصف للفاسقين، (يَنْقُضُونَ) معنى النقض الافساد ما أبرمته من بناء أو جبل أو عهد وهو حسي أو معنوي، واختلف المفسرون في نقض عهد الله وتعيين هذا العهد، فقيل هو الذي اخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره، وقيل هو وصية الله تعالى إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل غير ذلك.

(مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) الميثاق هو العهد المؤكد باليمين من الوثاقة والمعاهدة وهي الشدة في العقد والربط ومنه ق وله تعالى “وميثاقه الذي واثقكم به”.

(وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ) واختلف ما الشيء الذي أمر الله بوصله، فقيل: صلة الأرحام، وقيل أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا، وقيل أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم، وقيل: الإشارة في هذه الآية إلى دين الله وعبادته في الأرض وإقامة شرائعه وحفظ حدوده أن يكون كل ذلك متصلا لا يقطع فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل ووصل الرحم جزء من هذا الوصل الكبير العام.

(وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أي يعبدون غير الله تعالى، ويجورون في الأفعال إذ هي بحسب شهواتهم واهوائهم، وهذا غاية الفساد (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) والخاسر هو الذي نقض نفسه حفظها من الفلاح والفوز والخسران: النقصان كان في ميزان أو غيره، والخسرة الضلال والهلاك وقيل للهالك خاسر لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة.

وفي هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامة وكذلك كل عهد جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم غيره لذم الله تعالى من نقض عهده وقد قال سبحانه (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) فنهاه عن الغدر وذلك لا يكون إلا بنقض العهد.

Scroll to Top