اختلف من المراد بالناس على قولين، أحدهما الكفار الذين لم يعبدوا الله، والقول الثاني أن عام في جميع الناس فيكون خطابة للمؤمنين باستدامة العبادة وللكافرين بابتدائها.
(اعْبُدُوا) أمر بالعبادة له سبحانه، والمراد بالعبادة ههنا توحيده والتزام شرائع دينه وأصل العبادة: الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبدة يعني إذا كانت موجودة بالأقدام.
قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَكُمْ) خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته، إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم، والخلق له معنيان أحدهما التقدير يقال: خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع، والمعنى الثاني: الانشاء والاختراع والابداع ومنه قوله تعالى “وتخلقون افكا”.
قوله تعالى (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) قد يقال إذا ثبت عندهم أن الله خلقهم، ثبت عندهم خلق غيرهم والجواب: أنه سبحانه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظمة، فذكرهم عن قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا.
قوله تعالى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) هي في مثل ما ورد في كلام الله تعالى من قوله (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) لعلكم تشكرون، لعلكم تذكرون، لعلكم تهتدون، والراجح فيها أن كلمة (لعل) للترجي والتوقع الذي هو في امكان البشر، فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وان تذكروا وأن تتقوا، وفي قوله عز وجل (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) يعني اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى.
قوله تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جعل تأتي بعده معان ومنها خلق مثل قوله تعالى (وجعل الظلمات والنور) أي خلق الظلمات والنور، (فِرَاشًا) أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها، وما ليس بفراش كالجبال والاوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد كما قال تعالى (ألم نجعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا) والبحار تركب إلى سائر منافع الأرض كما قال تعالى (والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس).
قوله تعالى (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) السماء للأرض كالسقف للبيت يقول تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) وكل ما علا فأظل قيل له سماء، ويقال: بنى فلان بيتا وأصل البناء وضع لبنة على أخرى حتى تثبت.
قوله تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي اخرجنا لكم ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات رزقا، أي طعاما لكم وعلفا لدوابكم، وقد دلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى هذا المعنى “والله لأن يأخذ احدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل احداً أعطاه أو منعه”[1]، ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الاشغال من الصنائع وغيرها، فمن احوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل الله ندا.
قوله تعالى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) نهى الله تعالى أن يجعل لله أندادا أي أكفاء وأمثال ونظراء قال الشاعر:
| نحمد الله ولا ند له |
عنده الخير وما شاء فعل |
(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي وأنتم تعلمون بأن الله خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق فيعلمون أنه سبحانه المنعم عليهم دون الأنداد.
[1] – أخرجه البخاري (1470)، ومسلم (1042).


