جعل تأتي بعده معان ومنها خلق مثل قوله تعالى (وجعل الظلمات والنور) أي خلق الظلمات والنور، (فِرَاشًا) أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها، وما ليس بفراش كالجبال والاوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد كما قال تعالى (ألم نجعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا) والبحار تركب إلى سائر منافع الأرض كما قال تعالى (والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس).
قوله تعالى (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) السماء للأرض كالسقف للبيت يقول تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) وكل ما علا فأظل قيل له سماء، ويقال: بنى فلان بيتا وأصل البناء وضع لبنة على أخرى حتى تثبت.
قوله تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي اخرجنا لكم ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات رزقا، أي طعاما لكم وعلفا لدوابكم، وقد دلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى هذا المعنى “والله لأن يأخذ احدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل احداً أعطاه أو منعه”[1]، ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الاشغال من الصنائع وغيرها، فمن احوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل الله ندا.
قوله تعالى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) نهى الله تعالى أن يجعل لله أندادا أي أكفاء وأمثال ونظراء قال الشاعر:
| نحمد الله ولا ند له |
عنده الخير وما شاء فعل |
(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي وأنتم تعلمون بأن الله خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق فيعلمون أنه سبحانه المنعم عليهم دون الأنداد.
قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وإن كنتم في ريب أي في شك (مِمَّا نَزَّلْنَا) يعني القرآن والمراد بهذه الآية المشركون الذين لما سمعوا القرآن قالوا ما يشبه هذا كلام الله، وإنا لفي شك منه، فنزلت هذه الآية، ووجه اتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الأولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء به ليس مفترى من عنده، (عَلَى عَبْدِنَا) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل، ولما كانت العبادة أشرف الخصال، والتسمى بها أشرف الخصال سمى نبيه عبدا (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) فأتوا أمر تعجيز، لأنه تعالى علم عجزهم عنه والسورة واحدة السور من مثله أي من مثل القرآن الكريم، وقيل الضمير يعود على التوراة والانجيل ويكون المعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه، وقيل الضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم والمعني فأتو بسورة من بشر أمي مثله لا يكتب ولا يقرأ، (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) معناه أعوانكم ونصراءكم أي استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم واحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به فيكون الرد على الجميع أوكد في الحجة عليهم، (مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي من غيره وهو تقصد عن الغاية، أي أنكم لا تستطيعون (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) يعني فيما قلتم من أنكم تقدرون على تعارضه لقولهم في آية أخرى (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا).
[1] – أخرجه البخاري (1470)، ومسلم (1042).


