قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ)

مثلهم يعني شبههم لأن المثل والمثيل والمثل بمعنى واحد وهو الشبه والمتماثلان: المتشابهان كشبه الذين استوقدوا أي أوقدوا نارا فلما أضاءت ما حوله اطفئت فبقي متحيرا مترددا كبقاء المنافق في حيرته وتردده، والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين، وذلك أن ما يظهرونه من الايمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم، والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم مثل من أوقد نارا في ليلة مظلمة فاستضاء بها، ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه، فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقى متحيرا، فكذلك المنافقون لما آمنوا اغتروا بكلمة الإسلام ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم.

قوله تعالى (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) الصمم في كلام العرب الانسداد ومنه صممت القارورة إذا سددتها، والاصم من أفسدت خروق مسامعه، والابكم الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس وقيل الأخرس والابكم واحد، والعمى ذهاب البصر، وتعامى الرجل إذا غض بصره، وعمى عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ) وليس المراد بذلك نفى الادراكات عن حواسهم جملة وإنما هم صم عن استماع الحق بكم عن التكلم به عمى عن الابصار له فهم لا يرجعون إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم ولا يتلاومون فيما بينهم كما في سورة سبأ (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ).

قوله تعالى (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) أي مثلهم كذلك والمعنى أو كأصحاب صيب، والصيب المطر، من السماء، السماء كل ما علاك فأظللك، ومنه قيل لسعف البيت سماء والسماء كذلك المطر سمى به لنزوله من السماء، والسماء ما علا والأرض ما سفل.

قوله تعالى (فِيهِ ظُلُمَاتٌ..) إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الغيم من حيث تراكبها وتزايدها (وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) الرعد هو الصوت المسموع من السحاب وأصل الرعد في اللغة الحركة ومنه الرعديد للجبان وارتعد: اضطرب، والبرق أصله من البريق والضوء ومنه البراق دابه ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به، ومنه يقال رعد الرجل وبرق تهدد وأوعد وأرعد القوم وأبرقوا: اصابهم رعد وبرق، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال “اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك”.[1]

قوله تعالى (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ) جعلهم اصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به ومحمد صلى الله عليه وسلم وذلك عندهم كفر والكفر موت.

والصواعق جمع صاعقة وهي الواقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أنت عليه، والصاعقة أيضا صحبة العذاب، قال الله عز وجل (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون) ويقال: صعق صعقة أي غشى عليه، ومنه قوله تعالى (وخر موسى صعقا) وقوله تعالى (فصعق من في السموات ومن في الأرض) أي مات، وشبه الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق، فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثل لما يخوفون به.

(حَذَرَ الْمَوْتِ) يعني يجعلون اصابعهم في آذانهم لكي لا يأتيهم الموت، (والله محيط بالكافرين) فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات وهم جميعا في قبضته وتحت قهره وعالم بهم وجامعهم.

(يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يكاد معناه يقارب يقال: كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل والخطف الأخذ بسرعة، ومنه سمى الطير خطافا لسرعته، والمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب ابصارهم، وأبصارهم جمع بصر وهي حاسة الرؤية والمعنى تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم.

(كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) والمعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم النعم قالوا: دين محمد دين مبارك، وإذا نزلت بهم مصيبة واصابتهم شدة سخطوا وثبتوا على نفاقهم مثل قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ)، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وتقلهم واخراجهم من دينهم، (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم، له قدرة فعل ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره.


[1] – أخرجه الترمذي (3450).

 

 

 

 

 

Scroll to Top