(وَيَمُدُّهُمْ) أي يطيل لهم المدة ويمهلهم على لهم، كما قال تعالى (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) واصل المدة الزيادة يقال مد في الشر وأمد في الخير، قال الله تعالى (وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) وقال (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) ويقال: مددت له إذا تركته، وأمددته إذا أعطيته.
(فِي طُغْيَانِهِمْ) يعني في كفرهم وضلالهم، واصل الطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ) أي ارتفع وعلا وتجاوز المقدار، وكذلك قوله سبحانه في فرعون (إِنَّهُ طَغَى) أي اسرف في الدعوى حيث قال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) والمعنى في الآية يمدهم بطول العمر حتى يزيدوا في الطغيان فيزيدهم في عذابهم.
(يَعْمَهُونَ) يترددون متحيرين في الكفر يقال رجل عامه أي حائر، والعمى في العين، والعمه في القلب، يقول تعالى (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)
قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) ومعنى اشتروا أي استحبوا الكفر على الايمان كما قال سبحانه (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) وعبر سبحانه بالشراء، لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه، وليس معناه هنا المعاوضة، لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون ايمانهم وإنما هم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى أي استبدلوا واختاروا الكفر على الايمان، وإنما عبر عنه بالشراء توسعا، لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء.
والضلالة أصلها: الحيرة، ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الخيرة قال جل وعز (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) أي الناسين.
قوله تعالى (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) اسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم ربح بيعك وخسرت صنعتك، وقولهم: ليل قائم، ونهار صائم، والمعنى ربحت وخسرت في بيعك، وقمت في ليلك وصمت في نهارك أي فما ربحوا في تجارتهم، وقال الشاعر:
| نهارك هائم وليلك صائم |
كذلك في الدنيا تعيش البهائم |
قوله تعالى (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) أي في سابق علم الله تعالى لم يكونوا موفقين في اشترائهم الضلالة بالهدى بل هم ضالون.


