هذه بداية الكلام عن المنافقين والكلام عنهم طويل، فقد نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين، وآيتان في وصف الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.
قوله (وَمِنَ النَّاسِ) الناس جمع إنسان وإنسانة وهو مأخوذ من الحركة والنشاط، يقال ناس ينوس أي تحرك والناس يتحركون ويذهبون ويجيئون ويجتمعون، وقيل أصل الكلمة من نسى نسيانا فسمى الناس لنسيانهم، يقول تعالى (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) وقال صلى الله عليه وسلم “نسى آدم فنسيت ذريته”.[1]
وقيل إن كلمة ناس مأخوذة من الأنس لأن الإنسان يأنس إذا كان أحد بقربه، قال الشاعر:
| وما سمى الإنسان إلا لأنسه |
ولا لقلب إلا أنه يتقلب |
ولا مانع أن تكون هذه المعاني الثلاث مجتمعة لأن واقع الناس يدل على ذلك.
قوله تعالى (آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم، ذكر الكافرين في مقابلتهم، لأن الكفر والايمان طرفان، تم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين لنفي الايمان عنهم بقوله الحق (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) فالمنافقون يقولون مثلما يقول المؤمنون (آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) يقولون هذا بألسنتهم غير معتقدين بقلوبهم، لأن الايمان هو اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان.
وسمى المنافق منافقا، لأنه يظهر غير ما يضمر تشبيها باليربوع له حجر يقال له: النافقاء وآخر يقال له: القاصعاء وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كان يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا را به ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر حجره تراب وباطنه حفر، وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر.
قوله تعالى (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) معنى يخادعون الله أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله ورسوله، ومخادعتهم ما أظهره من الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا.
وأصل الخدع في كلام العرب الفساد، وعلى هذا المعنى يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء وقيل أصل الخدع الإخفاء ومنه المخدع في البيت الذي يحفظ فيه الشيء.
قوله تعالى (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم، يقال من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه، وهذا صحيح لأنه الخدع إنما يكون مع من يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه، ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يُخدع (وَمَا يَشْعُرُونَ) أي لا يفطنون، أن وبال خدعهم راجع إليهم، فيظنون أنهم قد نجوا وفازوا وذلك في الدنيا وليس في الآخرة، يقال شعرت بالشيء أي فطنت له ومنه الشاعر لفطنته لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني ومنه قولهم: ليت شعري أي ليتني فطنت وعلمت.
(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ )
قوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) المرض هو كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة جسدية أو غيرها، وكلمة مرض مستعارة هنا للقلوب بسبب الفساد الذي في عقائد المنافقين وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا، وإما جحدا وتكذيبا، والمعنى أن قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق، والرعاية والتأييد.
قوله تعالى (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) قيل هو دعاء عليهم، ويكون معنى الكلام: زادهم الله شكا ونفاقا، جزاء على كفرهم، وقيل هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم، كما قال سبحانه في آية أخرى “فزادهم رجسا إلى رجسهم” وذلك بسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها، وغفلتهم عن الآخرة واعراضهم عنها.
قوله تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) الأليم هو الموجع، والألم: الوجع، والتألم: التوجع (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أي بسبب تكذيبيهم للرسول وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين.
[1] – أخرجه الترمذي (3076).


