تفسير سورة الفاتحة

1 – فضلها وأسماؤها:

روى الترمذي عن ابي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.[1]

وأخرج البخاري عن ابي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال ألم يقل الله “استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم، ثم قال “إني لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال صل الله عليه وسلم: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته”.[2]

وفي سورة الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها حتى قيل إن جميع القرآن فيها وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده ولا تصح القربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم.

ولها أثنى عشر اسما:

الأول: الصلاة وفي الحديث “قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين”.

الثاني: سورة الحمد، لأن فيها ذكر الحمد.

الثالث: فاتحة الكتاب وسميت بذلك تفتتح قراءة القرآن بها لفظا وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا  وتفتتح بها الصلوات.

الرابع والخامس: أم الكتاب وأم القرآن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب.

السادس: المثاني، سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة.

السابع: القرآن العظيم، سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن، وذلك تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص بها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وعلى بيانه عاقبة الجاحدين.

الثامن: الشفاء، فقد روى عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “فاتحة الكتاب شفاء من كل سم أو في فاتحة الكاب شفاء من كل داء”.[3]

التاسع: الرقية، ثبت ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي رقي سيد الحى  بالفاتحة: ما أدراك أنها رقية” فقال يا رسول الله شيء ألقي في روعي، وقيل إن موضع الرقية منها إنما هو “إياك نعبد وإياك نستعين”.[4]

وقيل: السورة كلها رقية، لقوله عليه الصلاة والسلام للرجل لما أخبره “وما أدراك أنها رقية، ولم يقل “أن فيها رقيمة، فدل هذا على أن السورة بأجمعها رقية، لأنها فاتحة الكتاب ومبدؤه ومتضمنة لجميع علومه كما تقدم”.

العاشر: الأساس، شكا رجل إلى الشعبى وجع الخاصرة، فقال: عليك بأساس القرآن فاتحة الكتاب، سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول لكل شيء أساس واساس الدنيا مكة لأنها منها دحت الدنيا، وأساس السموات عريبًا وهي السماء السابعة، وأساس الأرض عجيبًا وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان جهة عدن وهي سرة الجنان عليها أسست الجنة، وأساس النار جهنم وهي الدركة السابعة السفلى عليها أسست الدركات، وأساس الخلق آدم، وأساس الأنبياء نوح، وأساس بني إسرائيل يعقوب، واساس الكتب القرآن، واساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا اعتللت واشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى.

الحادي عشر: الوافية، لأنها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال، ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة ونصفها الآخر في ركعة لأجزأ، ولو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز.

الثاني عشر: الكافية، لأنها يكفى عن سواها ولا يكفى سواها عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم “أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها منها عوضا”.

 (الْحَمْدُ لِلَّهِ)..

الحمد في كلام العرب معناها الوفاء الكامل فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه، والحمد نقيض الذم، والمحمد هو الذي كثرت خصاله المحمودة وبذلك سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الشاعر:

فشق له من اسمه ليجله

  فذو العرش محمود وهذا محمد

(رَبِّ الْعَالَمِينَ..)

الرب أي مالكهم، وكل من ملك شيئا فهو ربه، والرب السيد ومن قوله تعالى: (اذكرني عند ربك) والرب يأتي بمعنى المصلح والمدبر والجابر والقائم، يقال لمن قام بإصلاح شيء واتمامه قد ربه فهو رب له، وقيل إنه مشتق من التربية، فالله سبحانه وتعالى مدبر لخلقه ومصلحهم والقائم عليهم، ومنه قوله تعالى: “ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ” فسمى بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها.

والعالمون جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، وقال ابن عباس: العالمون الجن والانس، ودليله قوله تعالى: (ليكون للعالمين نذيرا) ولم يكن نذيرا للبهائم وقيل: العالم عبارة عمن يعقل وهم أربعة أمم: الانس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يقعل خاصة والقول الراجح هو الأول وهو كل موجود سوى الله تعالى، لأنه شامل لكل مخلوق وموجود، ودليله قوله تعالى: “ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ “.

(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ..)

وصف نفسه تعالى بعد رب العالمين بأنه الرحمن الرحيم، وقد سبق أن بينا في البسملة أن الرحمن صفة لله لجميع خلقه البر والفاجر والمؤمن والكافر في رزقهم ومعاشهم وتسخير الكون لهم، ونعم الحواس والنعم العامة، والرحيم صفة لله للمؤمنين به في الهداية لهم، واللطف بهم.

ولما كان وصفه سبحانه برب العالمين يشعر بالترهيب قرنه سبحانه بالرحمن الرحيم لما تضمنه من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته كما قال تعالى: “نبيء عبادي أني انا الغفور الرحيم، وان عذابي هو العذاب الأليم” وقال تعالى: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول) وفي صحيح مسلم عن ابي هريرة (رضي الله عنه) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته احد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد”.[5]


[1] – صحيح الترمذي (3125).

[2] – صحيح البخاري( 4474).

[3] -مسند الدارمى (3247).

[4] – أخرجه البخاري (2276)، ومسلم (2201) .

[5] – أخرجه الترمذي (3542) ، وأخرجه مسلم (2755).

Scroll to Top