(حَتَّى) غاية للتبيين، واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك والراجح عند العلماء الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة، وبهذا جاءت الأخبار روى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ثم أنزل الله (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار.
قوله تعالى (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) جعل الله جل ذكره الليل ظرفا للأكل والشرب والجماع والنهار ظرفا للصيام، فبين أحكام الزمانين وغامر بينهما، فلا يجوز في النهار مما أباحه بالليل إلا لمسافر أو مريض، فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل كما جوز الأكل حتى يتبين النهار وإذا تبين الليل سن الفطر شرعا أكل أو لم يأكل، فإن ظن أن الشمس قد غربت لغيم أو غيره فأفطر ثم ظهرت الشمس فعليه القضاء وعند جمهور العلماء، وقد أخرج البخاري عند أسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس فأمروا بالقضاء، وقوله تعالى (إِلَى اللَّيْلِ) فيه ما يقتضي النهي عن الوصال إذ الليل غاية القيام وظاهر القرآن والسنة تقتضي المنع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا غابت الشمس من هاهنا وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم”[1]، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال.
قوله تعالى (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) بين جل وتعالى أن الجماع يفسد الاعتكاف وأجمع أهل العلم على أن من جامع امرأته وهو يعتكف عاقدا لذلك أن يفسد لاعتكاف فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة، وإن لم يقصد لم يكره، لأن عائشة كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، فدل بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة.
والاعتكاف في اللغة الملازمة يقال عكف على الشيء إذا لازمة مقبلا عليه، ولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم، والاعتكاف في الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص، واجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وهو قربه من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وازواجه، ويكره الدخول في الاعتكاف لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوق الاعتكاف، واجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقول الله تعالى (فِي الْمَسَاجِدِ) ويجوز الاعتكاف في كل مسجد له إمام ومؤذن والأفضل أن يكون في مسجد تجمع فيه الجمعة لمن صادف اعتكافه الجمعة، وأقل الاعتكاف يوم وليلة وهذا هو الراجح عند العلماء، وذهب جمهور العلماء أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم واحتجوا بآية الصايم وبأن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان، وليس للمعتكف أن يخرج من معتكف إلا لما لابد له منه لما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجل، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان تريد الغائط والبول ووقت دخول المعتكف هو بعد صلاة الفجر وهو الراجح عند العلماء لما أخرجه مسلم في صحيحه عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، وينتهى الاعتكاف بغروب شمس آخر يوم من رمضان لانقضاء الشهر.
قوله تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي أن هذه الأحكام التي سبقت هي حدود الله فلا تخالفوها (تِلْكَ) إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي والحدود معناها الحواجز والحد المنع ومن سمى الحديد حديدا لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن وسمى البواب والسجان حدادا لأنه يمنع من في الدار من الخروج منها ويمنع الخارج من الدخول فيها وسميت حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها ومنه سميت الحاد في العدة لأنها تمتنع من.
[1] – أخرجه البخاري (1955).


