يقول تعالى (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

معنى هذه الآية: فمن غير ما أوصى به الموصي من وصيته بالمعروف لوالديه أو أقربيه الذين لا يرثونه بعد ما سمع الوصية، فإنما إثم التبديل على من بدل وغير وصيته و(سَمِعَهُ) يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده، والضمير في (إِثْمُهُ) عائد على التبديل أي إثم التبديل عائد على المبدل لا على الميت فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم، وتوجهت على الوارث أو الولي، ولا خلاف بين العلماء على عدم الإثم إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث.

(إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي إن الله سميع لوصيتكم التي أمركم أن توصوا بها لآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم حين توصون بها، أتعدلون فيها على ما أذن لكم من فعل ذلك بالمعروف أم تميلون عن الحق وتجورون عن القصد وهو عليم بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق والعدل أو الجور والحيف.

يقول تعالى (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

(فَمَنْ خَافَ) بمعنى خشى أو علم من موصي جنفا الجنف الميل يقال رجل أجنف أي منحني الظهر، فمن علم أو خشى أن يجنف الموصي ويميل ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الأذية أو يأتيها دون تعمد وذلك هو الجنف دون إثم، فإن تعمد فهو الجنف في إثم، والخطاب في هذه الآية موجه لجميع المسلمين قيل لهم: إن خفتم من موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق وقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف فبادر إلى السعي في الإصلاح بينهم فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن الصلح، وذلك إذا علم بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي لا يلحق إثم المبدل.

(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يعني الله غفور رحيم للموصي فيما كان حدث به نفسه من الميل والإثم إذا ترك الاثم والجنف في وصيته فيغفر له عما كان حدث به نفسه من الميل والجور، رحيم بالمصلح بين الموصي وبين من أراد أن يحيف عليه غيره أو يأثم فيه له.

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاضرار بالوصية فقد روى الدار قطني عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “الإضرار في الوصية من الكبائر” وروى أبو داود عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضار أن في الوصية فتجب لهما النار”[1].

قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

كتب الله جل وعلا الصيام على المكلفين ومعنى كتب أي أوجب وألزم، قال صلى الله عليه وسلم “بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج”[2].

وللصوم في اللغة عدة معان ومنها الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال ويقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى مخبرا عن مريم عليها السلام (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) أي سكوتا عن الكلام، والصوم ركود الريح وهو إمساكها عن الهبوب ويقال: صامت الدابة: قامت وثبتت فلم تعتلف ومنه قول النابغة:

خيل صيام وخيل غير صائمة

  تحت العجاج وخيل تعلك اللجما

أي خيل ثابتة ممسكة عن الجرى والحركة وخيل متحركة تجري وتثير الغبار.

والصوم في الشرع: الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وتمام الصيام وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات، لقوله عليه السلام “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.

وفضل الصوم عظيم وثوابه جسيم، جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح، ومن فضل الصوم أن خصه الله بالإضافة إليه، كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه “يقول الله تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”.

وإنما خص الصوم بأنه له سبحانه وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات:

أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات.

الثاني: أن الصوم سر بين العدد وبين ربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصا به وما سوى الصوم من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنعا ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره.

قوله تعالى (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم اختلف المفسرون في موضع التشبيه فقال بعضهم: التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر الصوم فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم قرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل، فصار صوم النصارى خمسين يوما، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع في الفصل الشمس، وذهب بعضهم إلى أن التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء ومن نام، وكذلك كان في النصارى أولا وكان في أول الإسلام ثم نسخه الله تعالى بقوله (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) وقال بعض المفسرين أن التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على العدة، والمعنى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) أي في أول الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وهم اليهود في قول ابن عباس “ثلاثة أيام ويوم عاشوراء”، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لعل حرف ترجي في حق الإنسان ولكنه في حق الله ليس ترجي ولكنه حاسم وتتقون قيل معناه تضعفون فإنه كلما قل الاكل قلت المعاصي.


[1] -أخرجه أبي داود (2867 ).

[2] – أخرجه البخاري (8)، ومسلم (16).

Scroll to Top