قوله تعالى (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) الأيام المعدودات هي أيام شهر رمضان…
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا).
للمريض حالتان: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا، الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم، وقال بعض المفسرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر قياسا على المسافر لعلة السفر، وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر.
قوله تعالى (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) السفر ينقسم إلى ثلاثة أقسام سفر الطاعة كالحج والجهاد والسفر لصلة الرحم وطلب المعاش الضروري وهذا السفر يجوز فيه الفطر والقصر وسفر المعصية كالسفر لارتكاب الفواحش أو قطع الطريق وهذا لا يجوز فيه الفطر والقصر والسفر المباح كفر التجارة والراحة وهذا الأرجح منه جواز الفطر وقصر الصلاة والراجح عند العلماء في قدر السفر المبيح للفطر والقصر ثلاثة أيام وهذا قول ابن عمر وابن عباس والثوري، وتقدر المسافة بحدود تسعين كيلو، واتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر لأن المسافر لا يكون مسافر بالنية بخلا المقيم، وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل، لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين، واتفقوا أيضا على أن الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج، فإن كان قد تأهب للسفر وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه، فإن عاقة عن السفر عائق كان عليه قضاء هذا اليوم فقط.
قوله تعالى (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي من يكن منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فليقض عدد الأيام التي أفطر فيها لأن قوله تعالى (فَعِدَّةٌ) يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه.
قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قال ابن عباس: نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجزة الذين لا يستطيعون الصوم إلا بمشقة وكلفة وكذلك الحامل والمرضع إذا خافتا على أولادها افطرتا واطعمتا، والواجب على هؤلاء عند جمهور الفقهاء الفدية يعني بدل الصوم اطعام مسكين والإطعام يكون مقداره مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم من بر أو تمر، وذهب بعض العلماء إلى أن المقدار صاع من تمر أو نصف صاع من بر والقيمة هي دينار عن كل ويم.
(فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) يعني فمن زاد في الإطعام أو أطعم أكثر من مسكين كل يوم فهو خير له (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) هذه الآية تقتضي الحض على الصوم وقيل (وَأَنْ تَصُومُوا) في السفر والمرض غير الشاق أي فاعملوا ذلك وصوموا.
يقول تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
قوله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ) الشهر مشتق من الإشهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته، ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرتضى إذا حر جوفه من شدة العطش، والرمضاء شدة الحر فرمضان – فيما ذكر المفسرون – وافن شدة الحر فهو مأخوذ من الرمضاء وهذا هو الراجح وقيل: إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة.
قوله تعالى (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ) هذه الآية نص في أن القرآن نزل في شهر رمضان وهو يبين قوله عز وجل (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) يعني ليلة القدر، ولقوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدرة) وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في غيره ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم كان جبريل عليه السلام نزل به منجما (أي مفرقا) في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة، والقرآن: اسم لكلام الله تعالى وهو بمعنى المقروء كالمشروب يسمى شرابا والمكتوب يسمى كتابا يقول تعالى (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) أي قراءة الفجر.
قوله تعالى (هُدًى لِلنَّاسِ) أي هاديا لهم، والهدى الإرشاد والبيان أي بيانا لهم وإرشادا والمراد القرآن بحملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ ثم مشرف بالذكر والتخصيص البينات منه، يعني الحلال والحرام والمواعظ والاحكام، وبينات جمع بينه من بان الشيء يبين إذا وضح (وَالْفُرْقَانِ) ما فرق بين الحق والباطل أي فصل.
قوله تعالى (وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وشهد بمعنى حضر أي حضر منكم البلاد في الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه، وهذه الآية عامة مجملة خصصت بقوله تعالى (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله في بلده وأهله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو اقام، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر والمعنى: من أدركه رمضان وهو مسافر أفطر وعليه عدة من أيام أخر ومن أدركه حاضرا فليصمه وهذا تأويل بعض الصحابة وقال جمهور المفسرين: من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما فإن سافر أفطر.
قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) اليسر في هذه الآية الفطر في السفر والعسر الصوم في السفر، ولكن هذه الآية لفظها عام في جميع أمور الدين كما قال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله “دين الله يسر”، وقال صلى الله عليه وسلم “يسروا ولا تعسروا” ومعنى اليسر السهولة ومنه اليسار للغني وسميت اليد اليسرى لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى، والعسر هو الضيق والمشقة فقوله تعالى (وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) هو بمعنى قوله (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) فكرر تأكيدا.
قوله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) في هذه الآية تفسيران: أحدهما إكمال عدة الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه، والثاني: عدة الهلال سواء كانت تسعا وعشرين أو ثلاثين، قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الشهر يكون تسعا وعشرين” وأما ما اخرجه أبو داود في سننه من قوله صلى الله عليه وسلم: “شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة” فقد ذهب جمهور العلماء على معنى أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا سواء كانا من تسع وعشرين أو ثلاثين.
قوله تعالى (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان وروى عن سعيد بن المسيب أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون، وقال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا من رؤية الهلال إلى انقضاء خطبة العيد.
قوله تعالى (عَلَى مَا هَدَاكُمْ) قيل: بدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب وتعديد المناقب، وقيل لتعظموه على ما ارشدكم إليه من الشرائع (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) يعني على نعمة هدايتكم إلى الإسلام.


