القاهرة – “الأنباء” – أحمد الحوتي – عبد الرحمن عبد الفتاح:
أثارت فتوى الدكتور خالد المذكور بشأن عدم جواز شراء لعب الأطفال المعروفة عالميا باسم “باربي” ردود فعل متباينة.
“الأنباء” رصدت آراء بعض الفقهاء ورجال الفتوى في مصر الذي ناقشوا القضية من كافة جوانبها، واثاروا العديد من التساؤلات حول انشغال المسلمين بأمور هامشية تبعدهم عن القضايا الساخنة التي تهم الأمة الإسلامية وتحدد مستقبلها بين الأمم.
الشيخ عطية صقر، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، أكد أن لعبة الأطفال والتماثيل المصنوعة للأغراض العلمية هي استثناء من عموم النهي عن التماثيل.
وقال الشيخ صقر ان العلماء قد اتفقوا على حرمة اقتناء التماثيل إذا كان الغرض منها هو العبادة أو التقديس، لأنها رجس يجب اجتنابه، كما تدل على ذلك آية المائدة: “يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”.
وهي حرام إذا توافر في اقتنائها هذه الشروط الثلاثة:
أولا: أن تكون الصورة تامة الأعضاء الظاهرة، لا ينقصها عضو لا تعيش بدونه.
وثانيا: ألا تكون هناك مصلحة تدعو إلى اقتنائها.
وثالثا: أن تكون مصنوعة من مادة تبقى مدة طويلة.
والحكمة في تحريمها كما دلت على ذلك روح الشريعة، سد الذريعة إلى عبادة الاصنام وعدم التشبه بمن يحرصون على تقديسها، كما مزق النبي ﷺ ثوبا فيه تصاليب لأنها ترمز إلى عقيدة باطلة.
ويضيف الشيخ صقر: وبمقتضى هذه الشروط لو كان التمثال نصفيا، او نقص منه بعض الأعضاء التي لا تعيش دونها كالرأس أو البطن مثلا جاز اقتناؤها وان كان ذلك مكروها.
بنات عائشة
ويستطرد د. عطية صقر شارحا رأيه ويقول: ولو كان هناك مصلحة في اتخاذ التمثال كلعب للبنات مثلا.. جاز ذلك لحديث بنات عائشة، وقد صح أن النبي ﷺ داعبها حين رآها فقال لها: ما هذا؟ قالت: بناتي، قال ﷺ فما هذا الذي اراه في وسطهن؟ قالت: فرس، قال ﷺ فما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود خيل لها اجنحة؟ قالت: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه.. ويؤكد الشيخ عطية أن الحكمة في تحليل هذا ان فيه تمرينا للبنات على المستقبل الذي ينتظرهن في الحياة الزوجية، وهو استثناء من عموم النهي عن التماثيل.
ويتطرق الشيخ عطية صقر إلى التمثال فيقول: أن التمثال كل ما صور على مثل صورة حيوان أو غير حيوان.
فقد قال النبي ﷺ “أن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم” – رواه البخاري ومسلم وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت “قدم علينا رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة – وهي طاقة في الحائط – بقرا م – ستر – فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ تلون وجه وقال “يا عائشة اشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله” قالت: “فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين” – رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ : “لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل” – رواه البخاري ومسلم.
تماثيل الزعماء
أما تماثيل الزعماء والمشاهير الذي تقام لتخليد ذاكراهم فهي محرمة، فغرض التخليد يمكن أن يتحقق بوسائل أخرى مشروعة.. ولجنة الفتوى بالازهر الشريف اقتصرت في الاباحة على ما نص على استثنائه فقط، وهو لعب البنات وحرمت كل ما دون ذلك.
ويؤكد الشيخ عطية صقر انه جاء في الحجة للفراء المتوفى 377هـ: أن القدر المتفق عليه في التحريم هو ما كان فيه تصوير لله بالاجسام وما ورد من انه يقال لهم “احيوا ما خلقتم” فهو من أحاديث الآحاد التي لا توجب العلم، وهذا افراط حجته غير سليمة.
واستند البعض في جواز اتخاذها – أي لعب الأطفال – إلى ما كان من اقتناء سيدنا سليمان لها، مع القطع بأنها لم تقصد للعبادة لكن يراد عليه بأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إلا إذا ورد في شرعنا ما يقرره.
وخص ابن حبان حديث: “لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة”، ببيت النبي ﷺ لنزول جبريل عليه، وعلى هذا لا يجوز أن تدخل الملائكة بيوت الناس مع وجود هذه الأشياء، ولكن الأكثرية على عموم الحديث.
ويضيف الشيخ صقر: على أن بعض العلماء حرم لعب البنات أيضا قائلا ان حادثة عائشة كانت في أول الهجرة عقب بناء النبي ﷺ بها، كما أن اللعب جاءت بها مع الأثاث، وكانت تلعب بها مع صويحباتها قبل الزواج، وتحريم الصور جاء متأخرا فنسخ ما كان من التحليل قبل ذلك..
وعلل بعضهم الترخيص في “بنات عائشة” بأنها كانت لا تزال في ذلك الوقت غير مكلفة لصغرها.
هذا ولو كانت الصور التامة مصنوعة من نحو عجين أو حلوى فقد أجاز الفرج المالكي اتخاذها، وذلك لانتفاء قصد العبادة والتعظيم – عادة – في مثل ما اتخذ من هذه المواد التي لا تبقى طويلا..
اما صور ما لا روح له فالاتفاق على جوازها لانتفاء علة التحريم الموجودة فيما لا روح فيه كما هو مفهوم من الأحاديث.
لعبة بعينها
من ناحية أخرى أكد الشيخ محمد علي الجوزو – مفتي جبل لبنان – أن تحريم لعبة بعينها لا يعني تحريم كل لعب الأطفال، وقال: هناك خلط بين لعب الأطفال كلعب بشكل عام وبين تحريم لعبة بعينها لما يترتب عليها من ضرر محقق وربما فساد قائم.
وأضاف: بعض المتاجر في أوروبا تبيع نوعا من البالونات إذا امتلأت بالهواء اخذت شكل امرأة بكل مفاتنها مما يجعلها بابا من أبواب الأغراء والاثارة، وكلها أمور محرمة قطعا، لأنها تؤدي إلى الفتنة والفساد.
وليس المقصود هنا تحريم اللعب على اطلاقة، وانما تحريم نوع معين من اللعب التي يترتب عليها اضرار مادية أو أخلاقية، وخصوصا في مثل مجتمعاتنا المحافظة التي تختلف تماما عن المجتمعات الأوروبية المتحررة.
تنمية الذكاء
كما أضاف الشيخ الجوزو: من الظلم أيضا القول بتحريم كل اللعب على اطلاقها إذ أن هناك من اللعب ما ينمي الذكاء والنشاط والإبداع لدى الأطفال وهو باب محمود في الشرع، كما أن تحريم مثل هذه “البالونات” التي أشرنا إليها لا يعني أن كل عمل فيه تمثيل لجسم الإنسان حرام.. أن المجالات العلمية تحتاج لذلك في مجالات الطب ومثل هذا لا يدخل في إطار التحريم على أساس انه في سبيل البحث العلمي.
لا يجوز
اما الشيخ عبد الحميد كشك فقال: أن هذا الأمر لا يجوز تحريمه أو تحليله على وجه الاطلاق، فإن خيف الفتنة، بمعنى أنه إذا كان يخشى على الطفل منه كان يؤدي إلى أشياء خارجه كالانشغال عن طلب العلم وتحصيله أو تأخير الصلاة والفرائض متى وجبت على الطفل، هنا نقول: درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، ويدفع الضرر الأعلى بالضرر الأدنى.
وأوضح فضيلة الشيخ كشك أن الطفولة هي المرحلة الأولى في حياة الإنسان مما يزيد من أهميتها وحساسيتها.. مثل بذرة الشجرة التي تحتوي في بدايتها على العناصر الخاصة بالنبات عندما يستوي على “سوقه” وبهذا الشكل فإذا خيف من أن تصبح هذه الاشكال والدمى لدى الأطفال حالة من الإدمان بحيث لا يتخلى الطفل عنها، أو تلهيه عن العبادة فالمنع هنا أولى، أما إذا كانت اللعب لا يخشى منها على الأطفال، بل تنمي لديهم الذكاء والمقدرة على التفكير والاستيعاب والابداع فلا بأس بها.. بل يجب ان نشجعها.
لا توجد شبهة
وأكد الدكتور عبد الصبور مرزوق أنه لا يجوز تحريم دمى ولعب الأطفال لأنه من الثابت أن السيدة عائشة – رضي الله عنها – كانت صاحباتها يأتين إليها في بيت رسول الله ﷺ وكن يلعبن بدمى مثل تلك التي هي عند الأطفال حاليا.
وأضاف أنه من الثابت أيضا ان السيدة عائشة كان لديها فرس له جناحان في شكل دمية أيضا تلعب بها.. وكل ذلك في بيت النبوة..
كما أضاف: أنه ليس هناك أي مبرر لتحريم هذه الدمى بحجة أنها تشبه التماثيل ومثل ذلك.
ونفى الدكتور مرزوق أن تكون هذه اللعب شركا في العبادة في وقتنا الحالي.. وقال: ليست هناك أية شبهة حرمة في هذا الموضوع.. كما لا ينبغي أن ينال من العلماء أدني اهتمام في هذه الأيام التي تحتاج إلى توجيه كل الجهود نحو ما يحيق بالأمة الإسلامية من حروب ومخاطر مؤكدة.
ليست محرمة
وقال الدكتور عبد الجليل شلبي، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف: لعب الأطفال ليست محرمة فهي مسموح بها، وأكد انه كانت للسيدة عائشة – رضي الله عنها – حتى بعد أن تزوجت النبي ﷺ لعب تلهو بها ولم يمنعها منها رسول الله ﷺ .
وأضاف انه في العصر الحديث عندما زار الشيخ محمد عبده “صقلية” وجد رسوما وتماثيل فافتى باباحتها لأنها لا تعبد، ولأن عبادة الاصنام قد انتهت، وقد زين المسلمون هوامش المصاحف القرآنية بالزخارف والصور.
ويرى الدكتور شلبي، أن ذلك ليس حراما.. ويقول نحن نقيس عليه لعب الأطفال المصنوعة من الحلوى أو البلاستيك.. أو غيرهما.. فهي لمجرد اللعب واللهو وليست للعبادة، وما دامت كذلك فلا معنى لتحريمها.
وهكذا تتفق كل الآراء على عدم جواز تحريم لعب الأطفال ما دامت لمجرد التسلية أو اللهو أو لتنمية ذكاء الأطفال ومواهبهم وقدراتهم على التفكير.. وما دام هناك انتفاء لاصل التحريم وهو التقديس أو العبادة، مستندين في ذلك إلى “بنات عائشة” وإلى شواهد عقلية أخرى تتفق وروح العصر الذي نعيش فيه دون اخلال بالتربية الدينية الصحيحة للأجيال القادمة وغرس القيم الدينية وأسس العبادة القويمة في نفوسهم.



